آخر الأخبار

الا رسول الله

لعل الجريمة الإرهابية التي قام بها متطرف إسلامي في فرنسا بقتله أستاذاً فرنسياً في العاصمة باريس إثر عرضه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد أمام التلاميذ في حصة دراسية، تبدو أقل وطأة من التبريرات التي تساق لها في العالم العربي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في وسائل إعلام على حد سواء والتي تظهر مجدداً أن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، وهي فكرة يمكن تعميمها نحو الأديان عموماً التي يقول مفكرون أنها باتت عائقاً أمام التطور البشري بعدما كانت في يوم من الأيام عاملاً دافعاً للحضارة الإنسانية بمساهمتها المباشرة في تشكيل الدول والإمبراطوريات التاريخية.
وإن كانت النتيجة السابقة عبارة مكررة عند الحديث عن السياسات الشعبوية التي باتت آفة عالمية في السنوات الأخيرة منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيت الأبيض العام 2016 إثر حملة انتخابية جدلية، فإنها لم تعد حكراً على السياسة والخطاب الدعائي الذي تصدره دول مثل تركيا وإيران في الشرق الأوسط على سبيل المثال، بل أيضاً على المستوى الفردي الأضيق كما يظهر في حادثة باريس الإرهابية، اليوم. وإن كان ذلك يأتي مدفوعاً بالعامل الأول، لأن رجال السياسة من أمثال رجب طيب أردوغان أو ترامب، يميلون لمخاطبة أصحاب الآراء القائمة على الخوف من الآخر، في عالم متغير تنهار فيه القوة الغربية وتنشأ فيه قوى جديدة، وتبحث فيه الدول والأفراد عن معنى جديد للانتماء والمواطنة، فإنه يتعزز بحقيقة أن المؤسسة الدينية لم تعد تحرك جموع المؤمنين، بل باتت ملتصقة بهم وتتحرك خلفهم ومعهم في آن واحد، بقوة السوشيال ميديا.
ولا يمكن القول أن المشهد مربك تماماً، بل هو تعبير عن معنى الحياة المعاصرة في العام 2020، لا أكثر. يقول أحد المبررين للجريمة في “تويتر” بأن المسألة هي ردة فعل “منطقية” على الإرهاب المسيحي التاريخي بحق “مناطق المسلمين” حسب تعبيره، وبأنه يجب عدم العبث بـ”رموزنا وثوابتنا” مهدداً بالمزيد من العنف في المستقبل. وإن كان الحديث مخصصاً هنا للحديث عن حادثة بعينها، فإنه في الواقع متكرر ويبدو نسخة كربونية من تغريدات تنتشر في مناسبات يكون فيها الجدل الديني حاضراً، مثل حادثة انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي أو حوادث الاعتداء على صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة وغيرها.
ومرة أخرى، انتشرت النوعية نفسها من العبارات غير الحاسمة، التي يبدو أصحابها وكأنهم يخشون من تبرير الفعل، فهم من جهة ضد قتل المدرس الفرنسي أو الاعتداء على رسامي “شارلي إيبدو”، وفي الوقت نفسه يعتبرون أن الرسومات أو طريقة التدريس “مستفزة” وبالتالي “من الطبيعي” الوصول إلى نتائج عنفية. يذكر هذا الخطاب بالمبررين للدكتاتوريات العربية في المنطقة، فبشار الأسد مجرم لكن وجود “الإرهابيين” يبرر قتل نصف مليون سوري، ومحمد بن سلمان دموي لكن جمال خاشقجي تحدث أكثر مما ينبغي ولم يمتلك رجاحة العقل الكافية للصمت والطاعة. هذا النوع من التفكير الانهزامي أسوأ بكثير من المبررين صراحة للأفعال الإجرامية، ويحيل بدوره إلى أزمة النفاق والكذب التي لا يمكن بهما الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وهنا يتم تمييع الموضوع دائماً، نحو الحديث عن سماحة الإسلام. بحيث يصبح الإرهابيون والمتطرفون لا يمثلون الدين الصحيح وخارجين عن الدين السمح، لكن هذه المقاربة تعيد للأذهان أن معظم الأعمال المتطرفة، التي يقوم بها أفراد غاضبون أو منظمات إرهابية مثل “داعش” و”القاعدة” تستند إلى نصوص دينية بحرفيتها ولا تأتي من اجتهادات شخصية. وهو أحد الأسباب التي تمنع الأزهر حتى اليوم من تكفير أفراد “داعش” واعتبارهم إرهابيين على سبيل المثال. أما في حالة الأفراد، فهم ليسوا بالضرورة من “الذئاب المنفردة” (Lone wolf) التي تتغذى على الدعاية الجهادية مباشرة.
وفيما يجادل الفقهاء ورجال الدين حول مكانة الجهاد نفسه، كركن من أركان الإسلام أو ذروة لتلك الأركان حسب الحديث النبوي، فإن متابعة هذا الجدل اليوم في “تويتر” تظهر أن المبررين للعمل الإرهابي، وغيره، يرون في الجهاد “فرض عين” على المسلمين، لاعتقادهم بأن “أرض الإسلام” تعيش حرباً يقودها الغرب ضدهم. وإن كان الأمر أشبه بنظرية مؤامرة تستند على أحداث تاريخية تعود إلى حقبة الحروب الصليبية، فإنها تمثل مشكلة حقيقية، لانتشارها الواسع أولاً، ولتأثيرها على الأفراد ثانياً.
وبالعودة للجريمة في باريس، فإن الأمر يتعلق ضمناً بحرية التعبير، رغم أن الدافع لها يتجاوز ذلك نحو المساس بالمؤسسة التعليمية التي تشكل أساساً للعلمانية نفسها. ويعني ذلك أن الهدف الحقيقي لقيمة حرية التعبير لا يتعلق فقط بحرية الأفراد في نشر أفكارهم والتعبير عنها، بل بأنه ليس هنالك حق لأي فرد أو مؤسسة في تقييم هذه الأفكار نيابة عن أصحابها. وهو أمر لا يتوفر في النسخة العنفية من الإسلام على الأقل، حيث تحيل التبريرات الجمعية للأفعال الإسلامية العنيفة، إلى فكرة الحق الذي يعطيه المسلمون لأنفسهم لتقييم أفكار الآخرين بناء على معتقداتهم الخاصة، بما في ذلك تماديهم في وصف الأفكار التي تنتقد الدين في إطار تاريخي وتعليمي بأنها “مستفزة”، مع مطالبتهم الدائمة بـ”احترام الخصوصية الثقافية” التي تتطلب الصمت.
وبحسب المعلومات المتداولة فإن المعلم (47 عاماً) عرض صوراً للنبي محمد نشرتها “شارلي إيبدو”، وأعلم التلاميذ المسلمين قبل عرض الصور وسمح لهم بمغادرة الحصة إن لم يرغبوا في المشاهدة، كما أن عدداً من أهالي التلاميذ اشتكوا لإدارة المدرسة، ما دفع المعلم للاعتذار لاحقاً وقال بأنه تناول هذا الموضوع وما كان عليه أن يفعل ذلك. أما المهاجم الذي قتلته الشرطة لاحقاً في مطاردة بسيطة، فهو مراهق شيشاني، ونشر صوراً للضحية في مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يحمل ساطوراً في أحد شوارع باريس.
وتعزز الجدل في فرنسا حول النزعة الانفصالية الإسلامية والسلفية المتشددة، مؤخراً، بعد حديث الرئيس إيمانويل ماكرون عن أن “الإسلام يعيش في أزمة” عالمية. وهو في الواقع وصف يخفف من أثر المشكلة، لأنه يتخيل وجود الإسلام بشكل مؤسساتي يتخطى حقيقة أن المسلم
Aa

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

تم الكشف عن مانع الإعلانات الرجاء اغلاق AdBlock الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️ ان قمت بتعطيل مانع اعلانات فيرجي تحديث الصفحة